ملا محمد مهدي النراقي
63
جامع السعادات
تكون الذنوب التي يتوب عنها مخالفة بالنوع للذنوب التي لا يتوب عنها ، كأن يتوب عن الكبائر دون الصغائر ، أو عن القتل والظلم ومظالم العباد دون بعض حقوق الله ، أو عن شرب الخمر دون الزنا أو بالعكس ، أو عن شرب الخمر دون أكل أموال الناس بالباطل خيانة وتلبيسا أو غصبا أو قهرا أو عن بعض الصغائر دون بعض الكبائر ، كالذي يتوب عن الغيبة مع إصراره على شرب الخمر . والدليل على إمكان ذلك وصحته : أن العبد إذا علم أن الكبائر أعظم إثما عند الله وأجلب لسخط الله ومقته والصغائر أقرب إلى تطرق العفو إليها ، فلا يبعد أن يتوب عن الأعظم دون الأصغر ، وكذا إذا تصور أن بعض الكبائر أشد وأغلظ عند الله من بعض ، فلا يبعد أن يتوب عن الأغلظ دون الأخف ، وقد تكون ضراوة أحد بنوع معصية شديدة ، فلا يقدر على الصبر عنها ، وتكون ضراوته بنوع آخر منها أقل ، فيمكنه الترك بسهولة ، فيتوبوا عنه دون الأول ، وأن كان الأول أغلظ وأشد إثما ، كالذي شهوته بالخمر أشد من شهوته بالغيبة ، فيترك الغيبة ويتوب عنها دون الخمر ، فالتوبة عن بعض المعاصي دون بعض مع اختلافها نوعا بأي نحو كان ممكن وصحيح ، ومعها يندفع عنه إثم ما تاب عنه ، ويكتب عليه إثم ما لم يتب عنه ، بل ربما كان أكثر ما وقع من التوبة من هذا القبيل إذ كثر التائبون في الأعصار الخالية والقرون الماضية ، ولم يكن أحد منهم معصوما ، فيكون كل منهم جازما بأنه يصدر عنه معصيته البتة . ويدل على الصحة قوله ( ع ) : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) ، حيث لم يقل : التائب من الذنوب . نعم التوبة عن بعض الذنوب دون بعض مع تماثلهما غير صحيح وغير معقول ، لاستوائهما في حق الشهوة وحق التعرض لسخط الله ، فلا معنى للتوبة عن أخذ الخبز الحرام ، أو عن أخذ الدرهم الحرام دون الدينار الحرام ، أو عن ترك صلاة الظهر دون العصر ، إذ لو كان ذلك صحيحا لصح أن يتوب عن أخذ هذا الخبز دون ذلك الخبز ، أو عن أن أخذ هذا الدرهم دون ذلك الدرهم . . . وهكذا . والحاصل : أن التوبة عن بعض الذنوب دون بعض مع تفاوتها في العقاب واقتضاء الشهوة صحيح ، ومع تماثلهما فيهما غير معقول . ومن العلماء من قال : إن التوبة عن البعض